الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي

162

شرح ديوان ابن الفارض

وكذلك هم ليس عندهم شيء من ذلك ، وإنما يتخيلونه بإفهام عقولهم وتخيلات أفكارهم . وقوله فما ابتلوا ، أي لم يصبهم البلل أصلا من خوضهم تلك البحار التي خاضوها بمجرد دعواهم خوضها . وقوله فهم في السرى وهو سير العارف في عالم الأكوان إلى أن يقطعه فيظهر له نهار عالم الوجود من مطلع الكشف والعيان . وقوله لم يبرحوا من مكانهم ، يعني هم في سيرهم الذي ساروه لم يذهبوا ولم يزولوا عن حالهم الأوّل وعادتهم وطبعهم وغفلتهم وحجابهم عن ربهم . وقوله في السير ، أي سيرهم من نفوسهم إلى ربهم الذي هو سير السالكين الصادقين في طريق معرفة اللّه تعالى المعرفة الذوقية . وقوله عنه ، أي عن مكانهم الذي كانوا فيه واقفين ، ومكانهم في سيرهم هذا هو نفوسهم الأمارة بالسوء . وقوله وقد كلوا ، أي تعبوا ونصبوا وهم في زعم السير وليسوا بسائرين ، وإنما هم واقفون عند نفوسهم والتعب كله حاصل لأجسامهم يكدونها بالرياضات وشغلهم كله في أعمالهم الظاهرة ونفوسهم على ما هي عليه . وقوله وعن مذهبي متعلق باستحبوا . ومذهبه هو الاشتغال بالتقوى في القلب موضع نظر الرب تعالى والانهماك في أعمال الباطن فقط . وأما الظاهر فإن التقوى فيه والأعمال الصالحة المرضية تحصل بالتبعية وقوله لما استحبوا العمى على الهدى ، المعنى بالعمى هنا زيادة الغفلة في النفس والقلب ، وعدم التيقظ لأمر اللّه تعالى ، والانهماك في عمل الجوارح بالقوى النفسانية مع الإعراض عن اللّه تعالى ، وعدم الالتفات إلى تجلياته وظهوراته في آثار قدرته الكلية وفيه اقتباس من قوله تعالى : وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى [ فصلت : الآية 17 ] . وقوله حسدا تمييز أو مفعول من أجله . وقوله ضلوا نقيض اهتدوا ، ولا شك أن من استحسن العمى على الحق وترك الرشاد وارتكب الحسد فإنه ضل عن سواء الطريق . اه . أحبّة قلبي والمحبّة شافعي لديكم إذا شئتم بها اتّصل الحبل عسى عطفة منكم عليّ بنظرة فقد تعبت بيني وبينكم الرّسل أحبّاي أنتم أحسن الدّهر أم أسا فكونوا كما شئتم أنا ذلك الخلّ [ الاعراب والمعنى ] « أحبة قلبي » منادى مضاف أي يا أحبة قلبي . المراد قوم يحبهم قلبي . وقوله « عسى » عطفة جواب النداء وما بينهما اعتراض . وذلك قوله « والمحبة شافعي » . و « لديكم » متعلق بشافعي . وقوله « إذا شئتم » قيد للشفاعة أي تشفع لي المحبة عندكم إذا أذنتم في الشفاعة ، فيكون ناظرا إلى قوله تبارك وتعالى : مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [ البقرة : الآية 255 ] وقوله « بها اتصل الحبل » جملة تصلح أن تكون خبرا